عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
140
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
فينبغي أن تكون ذا دراية بأحوال كل الملوك ، وتعرض الأحوال على مولاك ، ليعرف الصديق والعدو ويعلم للملك حال كفايتك وذكائك ، واعط كل عمل تأمر به للجدير بالعمل ، ولا تضع الدنيا في أيدي الجاهلين والظلمة من أجل الطمع ، ولا تسند العمل الكبير إلى العمال الوضيعين والسفلة ؛ فقد سألوا بزرجمهر قائلين : كان مثلك في شغل وعمل آل ساسان فلم اضطربوا ؟ فقال : لأنهم استعانوا بالعمال الأصاغر في الأمور الكبيرة والعظيمة حتى وصل أمرهم إلى تلك الغاية . ولا تسند العمل إلى المفلس والمملق وخاصة العمل الكبير ، لأنه لا ينشغل بحاجاتك ما لم يوف حاجات نفسه ، ولكن إذا كانت له مؤونة لا ينشغل بنفسه كلية ويترك عملك سريعا ، وكذلك إذا رويت المزارع والمخضرات فإن مسقاة المزرعة والمخضرة إذا كانت رطبة روية توصل الماء سريعا إلى المزرعة والمخضرة ، وإذا كانت أرض تلك المسقاة جافة وقد مضت مدة طويلة لم يمر فيها ماء فإنه عندما ينزلون بها الماء لا توصله إلى المزرعة والمخضرة ما لم تترطب وتتشبع بالماء أولا ، فالعامل المعوز كالمسقاة الجافة ويدبر حوائجه أولا ثم حوائجك ، وفضلا عن ذلك عظّم أوامرك ولا تدع شخصا يجرؤ على مخالفتها . حكاية [ رقم 3 ] سمعت أن أبا الفضل البلعمى أسند إلى سهل الخجندى رياسة ديوان سمرقند ، ووقّع فرمانه وخلع عليه ، وذهب إلى سراى الوزير للوداع والاستئذان في ذلك اليوم الذي أراد فيه الذهاب ، فلما أدى خدمة الوداع لم يقل علنا ما أراد أن يقول ، فطلب الخلوة ، فأخلى الوزير الدار ، فقال سهل : أطال الله بقاء مولاي ، عندما أصل إلى عملي فلا بد من أن تنفذ من هنا الأوامر ، فليعط مولاي علامة لعبده أن أي أمر يجب تنفيذه أولا وأيها لا يجب تنفيذه ؛ ليعرف عبدك ويعمل كما يأمره مولاه ، فقال أبو الفضل البلعمى يا سهل حسنا قلت ، أعلم أنك فكرت في هذا أياما طويلة ، ويلزمنا أن نفكر أيضا لأن أمرا كهذا لا يجوز الإجابة عليه في التوقف بضعة أيام ، فذهب سهل الخجندى إلى بيته ، وأسندت رياسة ديوان سمرقند في الحال إلى سليمان الجفانى وأرسل مع الخلعة المنشور وأمروا بأن يقال لسهل بأنه يجب ألا يخرج من البيت إلى مدة سنة ، فأقام سهل سجينا في بيته سنة ، وبعد سنة استدعاه مولاه إليه وقال : يا سهل ، أي وقت كنت قد رأيتنا عملنا بمنشورين أحدهما صدق والآخر كذب ، ونحن نعلّم أكابر الدنيا الطاعة بالسيف ؟ أي حماقة رأيت فينا حتى نعلّم مرء وسينا العصيان ونقول لهم لا تعملوا بأمرنا ؟ إن أمرنا واحد ، ما نريد عمله نأمر به وما لا نريده لا نأمر به ، إذ ليس لنا رهبة وخشية من أحد ، وكذلك لسنا عاجزين في العمل ، وهذا الظن الذي ظننته بنا هو شأن العاجزين ، وكما عرفتنا راجلين « 1 » في العمل فنحن أيضا عرفناك راجلا فيه حتى لا تذهب إلى العمل بذاك القلب فيجترئ شخص على ألا يعمل بذلك الأمر .
--> ( 1 ) عاجزين .